محمد بن جرير الطبري
398
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إلى بلاده . والدليل على صحة ما قلنا في ذلك : قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأَقوال الثلاثة التي ذكرناها ، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله : وَسَعى فِي خَرابِها إلا أحد المسجدين ، إما مسجد بيت المقدس ، وإما المسجد الحرام . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام ، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأَوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه ؛ صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها ، إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية ، وبعمارته كان افتخارهم ، وإن كان بعض أفعالهم فيه كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم . وأخرى ، أن الآية التي قبل قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم ، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ، ولا للمسجد الحرام قبلها ، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ إليهم وإلى المسجد الحرام . وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه ، هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها ، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا ، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت . فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك ، إذ كان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في المسجد المقدس ، فمنعوا من الصلاة فيه ، فيجوز توجيه قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس ؛ فقد أخطأ فيما ظن من ذلك . وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل ، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد ، وإن كان قد دل بعموم قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أن كل مانع مصليا في مسجد لله فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا ، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين . القول في تأويل قوله جل ذكره : أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ . وهذا خبر من الله عز وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها ما داموا على مناصبة الحرب إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها . كالذي : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ وهم اليوم كذلك ، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نهك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : قال الله عز وجل : ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ وهم النصارى ، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة ، إن قدر عليهم عوقبوا . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ فليس في الأَرض رومي يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه ، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ